واحد ومراته شايفين نفسهم على الناس أخدوا الكراسي اللي كنت حاجزها ليا ولأبويا عنده 85 سنة في ماتش كورة، وقالولي بمنتهى الوقاحة: «ده راجل عجوز، هو أصلًا هيشوف الماتش إزاي؟!»... بس أنا خليتهم يندموا على اللي عملوه!أبويا رباني لوحده بعد ما أمي ماتت، ومن ساعتها أنا وهو حبينا الكورة جدًا، لأنها كانت الحاجة اللي بتخلينا ننسى شوية الوجع اللي كنا بنحاول نتعايش معاه.
كنا بنقعد قدام التليفزيون بالساعات، نتفرج على الماتشات مع بعض، وعمرنا ما فوتنا ماتش لفريقنا المفضل.
أبويا كان بيعشق فريق معين، وكان طول عمره نفسه يدخل استاد كبير، ويشوف فريقه بيلعب بعنيه بدل ما يتفرج عليه من ورا شاشة التليفزيون. لكن من كام سنة، أبويا جاله جلطة أثرت عليه بشكل كبير، ورحلة علاجه وتأهيله كانت صعبة جدًا.
ودلوقتي، وهو عنده 85 سنة، حتى المشي بقى صعب عليه. بس كان لازم تشوفوا عينيه وهي بتلمع كل ما يتكلم عن حلمه إنه يشوف فريقه المفضل بيلعب في استاد حقيقي وسط آلاف المشجعين. عشان كده، قررت أحقق له الحلم ده.
حجزت تذكرتين لماتش كبير في استاد القاهرة، واخترت كراسي في المدرجات السفلية، قريبة من الملعب، عشان أبويا يشوف الماتش بوضوح ويكون مرتاح طول الوقت. كنت عايز أعمله يوم ميتنسيش، يوم يفضل فاكره ويفتكره بابتسامة طول عمره. لكن بسبب الزحمة، اتأخرنا شوية، ووصلنا الاستاد بعد ما الماتش بدأ بدقايق.
مسكت إيد أبويا، وفضلت أساعده وهو بينزل درجات الاستاد واحدة واحدة، لحد ما وصلنا للصف اللي فيه كراسينا. لكن أول ما وصلنا، اتفاجئنا إن فيه راجل وست قاعدين مكاننا بالفعل!أخدت نفس وقلت بأدب:
ـ بعد إذنكم، الكراسي دي بتاعتنا، وإحنا حاجزينها.
الست بصتلي بصّة باردة، وكأنها مش مهتمة أصلًا بكلامي، وقالت:
ـ ما هو الماتش بدأ والكراسي كانت فاضية! يعني واضح إنها مش بتاعتكم. حاولت أتماسك وأرد بهدوء:
ـ معلش، إحنا اتأخرنا بسبب الزحمة، لكن التذاكر معانا، والكراسي دي مدفوعة ومحجوزة باسمنا.
جوزها بصلي بملل، وقلّب عينيه، وبعدها قال بمنتهى الاستفزاز:
ـ طب ما تطلعوا فوق وتقعدوا في أي كراسي فاضية في المدرجات اللي فوق! إحنا خلاص قعدنا وارتاحنا، وإنتوا كمان واقفين قدامنا ومش عارفين نتفرج على الماتش!
كنت لسه هرد عليه، لكن مراته بصت لأبويا من فوق لتحت، وضحكت بسخرية، وقالت جملة خلت الدم يغلي في عروقي:
ـ يا ابني ده راجل عجوز! هو أصلًا هيشوف الماتش إزاي؟! ما تخليه يقعد في أي حتة وخلاص!في اللحظة دي، حسيت إني مش قادر أصدق اللي سمعته.إزاي حد ممكن يبقى بالقسوة دي؟
!ده راجل عنده 85 سنة، وكل اللي نفسه فيه إنه يفرح بساعة وسط الناس، ويشوف الفريق اللي بيحبه من سنين!وقبل ما أفتح بقي وأرد عليهم، حسيت بإيد أبويا بتضغط على إيدي بقوة. بصلي وقال بصوت هادي، رغم إن عينيه كان باين فيها الزعل:
ـ سيبك يا ابني، مش عايزنا نبوظ يومنا بسبب حد زي دول. تعالى نقعد في أي مكان تاني، مش مشكلة. كلام أبويا وجعني أكتر من إهانتهم ليه. هو اللي اتظلم، وهو اللي اضطر يواسيني عشان ما أتعصبش!
ما كنتش عايز أعرّضه لسماع إهانات أكتر، فقررت إني أسيب المكان وأدور على كراسي فاضية تانية. ساعدته يقعد، واتأكدت إنه مرتاح، وبعدها قلتله:
ـ استناني دقيقة يا بابا، هدخل الحمام وراجعلك. لكن الحقيقة، أنا ما كنتش رايح الحمام.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.